الدولة المدنية : ضمانة للمساواة

تقدم هذه الورقة كمساهمة في الندوة المنظمة من طرف اللجنة التحضيرية للمؤتمر التاسع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

بداية اشكر لجنة المناصفة و المساواة المنبثقة عن اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على هذه الدعوة, كما اسجل بإيجاب انفتاح الحزب على حساسيات سياسية و حقوقية و جمعوية و اكاديمية في التحضير لمؤتمره.

انني اتشرف ان اقدم عرضي هذا بصفتي مدافعا عن حقوق الانسان بالمنظمة المغربية لحقوق الانسان حول « الدولة المدنية : ضمانة للمساواة ». و استسمح منكم قبل بداية العرض, و في اطار التفاعل مع الفرقاء السياسيين الحاضرين, و لما نعتبره اساسيا في وقوفنا على نفس المسافة, كاطار للمجتمع المدني مدافع عن حقوق الانسان, ان اطرح بعض النقط للنقاش :

+ اسجل عتابا على حزب الاتحاد الاشتراكي و كل الاحزاب المحسوبة على الصف التقدمي و اليساري و الليبرالي في عدم الدفاع بالشكل الكافي عن « مدنية الدولة » داخل الية التشاور بخصوص الدستور و سماحهم لقوى محافظة بحذف الفقرة التي تنص عليها.

+ اسجل ان السيد ارسلان قد صرح في مستهل سنة 2012 كون « جماعة العدل و الاحسان تساند مطلب الدولة المدنية » كما اسجل تصريح السيدة نادية ياسن في ابان النقاش جول « خطة ادماج المراة في التنمية » : « اخرج بجسدي في الدار البيضاء ( مسيرة مناهضة للخطة ) و عقلي في الرباط ( مسيرة مؤيدة للخطة ). بالنظر الى مرجعية الجماعية, ارجو من السيد احرشان الحاضر معنا توضيح المفاهيم و التصريحات و عن اية « دولة مدنية » تدافع الجماعة؟

مداخل لفهم دلالة « الدولة المدنية »:

في مدخل السياق العربي المعاصر :

ان مصطلح « الدولة المدنية » هو مصطلح حديث من حيث حمولته الحالية. اتذكر هنا استعمالي لهذا المصطلح سنة 2008 في المغرب في احدى الملتقيات الحقوقية و لاقى استغرابا من طرف الحاضرين و منهم من نعتني بالخائف من استعمال « العلمانية », و هذا مدخل لفهم حمولة المصطلح.

ظهر مصطلح « الدولة المدنية », بحمولته الحالية, في القاموس السياسي العربي منذ حوالي 5 او 6 سنوات على ابعد تقدير. و كان استعماله يتم في لقاءات فكرية و لجمعيات المجتمع المدني العربي. و لملاحظة ظروف هذه النشأة, نجد ان المقابل في اللغات الاوروبية له معنى اخر ( الحالة المدنية ). كما لا يفوتنا هنا ان استعمال مصطلح الدولة المدنية كان قد استعمل كمقابل « للدولة العسكرية » (التي يحكمها الجيش), كما يستعمل اليوم كمقابل « للدولة الدينية » او « الدولة التيوقراطية », دون ان يكون هذا التقابل صحيحا 100 في 100.

يحمل المصطلح مجموعة من المفاهيم التي تداخلت و تناقحت و دمجت في بعضها من اجل انتاج المفهوم الجديد للدولة المدنية. ففي مواجهة خطاب حركات الاسلام السياسي, تم استبدال مصطلحات و مفاهيم « العلمانية » و « اللائكية » و « فصل الدين عن الدولة » و « الحداثة » … التي تمت شيطنتها ( هنا نستحضر حكاية المثقف المصري المترشح للانتخابات في قرية بالأرياف و الذي لقي تعاطفا واسعا من طرف الساكنة, فما كان من منافسه ان اشاع بين السكان – و اغلبهم امي – ان صاحبنا « ديموقراطي و العياذ بالله  ).

في المدخل التاريخي :

اذا اردنا البحث في التاريخ, يجب ان نستحضر هنا ثلاث مراحل هامة في التاريخ الحديث :

الليبرالية و فلسفة الانوار : بدا التفكير في شروط تحديث المجتمع مع فلسفة الانوار, خصوصا مع هوبز. الا ان جان جاك روسو, و مع انه علق و استعمل كتابات هوبز, يكون هو اول من وثق لتصور واضح لمجتمع حديث في كتابه الشهير « في العقد الاجتماعي ». يقول روسو ان « المشروعية ( يمكن ايضا ترجمتها الى الشرعية او السيادة ) هي للشعب هنا و الان ». كما يعتبر روسو ان المجتمع هو مبني على « تعاقد اجتماعي » ما بين افراد احرار حول كيفية تدبير المشترك الجماعي بينهم.

الدولة الوطنية : لمفهوم الدولة الوطنية بشكله الحالي عمر لا يتجاوز قرنا و نصف او قرنين. استمرارا لفلسفة الانوار, و مع تنامي القوميات, ظهر مفهوم الدولة الوطنية, كترجمة سياسية و واقعية لمسالة التعاقد الاجتماعي. فللوطن ( تعبير عن قومية و او شعب يحمل تاريخا مشتركا ) تم تأسيس مفهوم الدولة كألية لتجسيد ارادته في تدبير العيش المشترك. انه ما يعتبره ماكس فيبير بحثا عن موضوعية الدولة.

الحرب العالمية الثانية : غداة نهاية الحرب, تأسست الامم المتحدة كتجسيد « للشرعية الدولية » و تم تبني منذ تأسيسها مجموعة من الاعلانات – اهمها الاعلان العالمي لحقوق الانسان – و العهود و الاتفاقيات, انتصرت لحقوق الانسان و الديمقراطية … كأفق انساني حتمي و كتراكم بشري ساهمت فيه كل الحضارات و الثقافات و الديانات.

مسيرات التحرر الثقافية : عرفت الانسانية خلال الستينات و السبعينات من القرن الماضي دعوات للتحرر و اعادة الاعتبار للفرد ( مثال ماي 68 بفرنسا, حركات امريكا اللاتينية , … ).

حمولة الدولة المدنية و ضمانتها للمساواة :

في غياب تعريف موحد لمدلول « الدولة المدنية », نقترح هنا ان نعطي بعض المبادئ الاساسية التي يقوم عليها :

+ بشرية  الحاكم و المشرع و القاضي.

+ موضوعية الدولة ( اي امكانية التنبؤ بسلوك الحاكم و المشرع و القاضي ).

+ الشعب مصدر وحيد للسلطة هنا و الان عبر الالية الديمقراطية.

+ فصل السلطات.

+ المواطنة و مركزية الفرد.

+ تملك الحداثة كتراكم انساني كوني.

بهذا المعنى, تضمن الدولة المدنية المساواة :

+ امام القانون و العدالة  و امام مؤسسات الدولة, التي تعبر عن تعاقد بين افراد المجتمع.

+ بين الجنسين,  لما للفرد ( رجالا و نساءا ) من مشروعية.

في السياق المغربي :

يصعب الجزم بالقول بان المغرب اليوم دولة مدنية. بالمقابل, حقق المغرب مكاسب مهمة في الطريق الى مدنية الدولة. ففصل الفصل 19 في دستور 96 الى فصلين 41 و 42 في دستور 2011 يعتبر قضية هامة من حيث تحديد صلاحيات الملك باعتباره اميرا للمؤمنين عن صلاحياته في الدولة. كما ان مدونة الاسرة, و ان لم تحقق المناصفة, فإنها تعتبر مكسبا هاما, بالإضافة الى الضمانات الدستورية الاساسية للحريات, و التي تستلزم منا تدافعا و ترافعا كبيرين من اجل اجراتها.

في المقابل, يستوجب لزوما ان تقام حركية ثقافية من اجل تملك المجتمع لمفهوم الدولة المدنية, لما توفره من ضمانات للمساواة و الحفاظ على مقومات الثقافة المحلية. فباسم الدولة المدنية « يستفيد » ( ان صح استعمال المفرد ) المسلمون في البلدان الغربية من حقوقهم و خصوصا ضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية.

و لنا هنا ان نتساءل عمن يحمل في مشروعه المجتمعي  تناقضا و تقابلا مع الدولة المدنية : كيف يستفيد اغلبية منظري هذا التيار من مدنية دول كإنجلترا و فرنسا و امريكا و غيرها في تطوير مشروعه و المناداة بضمان حقوقه و ما ان يرجع لوطنه يحارب الدولة المدنية و يسعى لإقصاء كل ضمانة استفاد منها في بلدان اخرى؟ كيف سنتعامل غدا مع مهاجرين, لم يعد المغرب بلد عبور فقط بل بلد استقرار, من ديانات سماوية و غير سماوية؟

انطلاقا من وعي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ( تأسست سنة 1988 ) بالطبيعة الإصلاحية لاشتغالها و بمرجعيتها الكونية في مجال حقوق الإنسان, رافعت منذ تأسيسها عن ضرورة الإصلاحات في الجانب المؤسساتي لأهميتها في تدعيم ضمانات صيانة حقوق الإنسان. فبمناسبة التعديل الدستوري لسنة 1992 تقدمت المنظمة بمرافعة تضم مجموعة من النقط الأساسية من أهمها : التنصيص على مبدأ أولوية القانون الدولي, إحداث آلية لمراقبة دستورية القوانين, التنصيص على الضمانات المرتبطة باستقلال القضاء, إدماج الحقوق و الحريات المنصوص عليها في العهدين الدولي لسنة 1996 ( المساواة بين المرأة و الرجل, تأكيد الحق في الإعلام, الصحافة, الصحة, السكن, الشغل, … ), … و أكدت على استمرار نضالها, بعد إقرار هذا النص الدستوري, من اجل « تطوير الدستور نحو ضمانات امتن لمبدأ فصل السلط, … و توفير شروط دولة الحق و القانون » كما نبهت إلى إعمال الدستور الجديد « فمن وجهة نظر حقوق الإنسان, تقاس قيمة الدستور باضطلاع المؤسسات فعليا بالمهمة الدستورية المنوطة بها ».

و بالإضافة إلى المقترحات الواردة في مرافعتها السابقة, طالبت المنظمة في خضم سياق المصادقة على دستور 1996 خصوصا ب :

معارضة الاقتراح الذي تقدم به بعض الأحزاب و الرامي إلى التنصيص على « أن قوانين البلاد لا تتعارض مع تعاليم الإسلام »  اعتبارا لان سوء تأويله قد يحدث خللا في التمتع بحرية الرأي و يطرح مشكل المراقبة, ما دام المجلس الدستوري لا يتوفر إلا على صلاحية مراقبة دستورية القوانين بصورة محددة و واضحة انطلاقا من النص الدستوري.

و فور المصادقة على دستور 96 عبرت المنظمة عن موقفها الملاحظ « لمحدودية ترسيخ النظام الديموقراطي و فصل السلط و استقلال القضاء و عدم تقوية آليات حماية حقوق الإنسان ».

اما خلال التعديل الدستوري الاخير ( 2011 ) فلقد اقترحت مذكرة المنظمة المغربية لحقوق الانسان على تنص ديباجة الدستور على :  » المملكة المغربية دولة مدنية دينها الرسمي هو الإسلام وتضمن حرية العقيدة وممارسة الشعائر والتنوع اللغوي والثقافي، لغتيها الرسميتين هما العربية والأمازيغية. واعتبارا لعضويتها في المنظمات الدولية والجهوية والإقليمية، فإنها تتعهد بإعمال ما تتضمنه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات في إطار سعيها لحماية حقوق الإنسان ولدعم جهود المنتظم الدولي من أجل تحقيق السلام والسلم في العالم. تؤكد تشبثها والتزامها بإقرار حماية وضمان ممارسة حقوق الإنسان والنهوض بها وفقا للصكوك الدولية بما يضمن المساواة بين المواطنات والمواطنين في جميع الحقوق والحريات ».

و لما هو موكول للمنظمة المغربية لحقوق الانسان, وعيا منها بجوهرية الحقوق في تعريف الإنسان, و اعتبارا لكونها مكون من المجتمع المدني, فإنها سترافع في سبيل تحقيق مبدا مدنية الدولة, كما تسعى لحشد دعم الفاعلين السياسيين لهذا المطلب.

منير بن صالح,

عضو المجلس الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الانسان.

Publicités

Répondre

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l'aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :