Archives de Tag: السيطان

دعوهم غفل


 

و أنت تمر بأحياء عديدة بالبيضاء, من البرنوصي و عين السبع و الحي المحمدي الى الحي الحسني و ليساسفة و عين الشق, مرورا بالمعاريف و مرس السلطان و حديقة ياسمينة و … يظهر لك مجموعة من « السيطان و الساطات » ( جمع ساط و ساطة و هي في المعجم الشبابي البيضاوي مفهوم يطلق على الشاب و الشابة عموما ) بلباس غريب و تسريحات شعر غير مفهومة للعامة. يتشكلون في مجموعات غالبا دائرية الشكل و تجد بينهم من يعزف على قيثارة أو يرقص على يديه و كأنه « طرومبية » أو من تغني كلمات مسرعة و مضغوطة كرسائل الهاتف النقال. و قد تجدهم يرسمون على الحائط أو يستعدون لعرض أزياء من نوع « بوهيمي » جديد.

لا يقتصر هذا المشهد على الدار البيضاء, فيمكنك مشاهدة هذه اللقطات في الرباط و القنيطرة و مراكش و طنجة و اكادير و الداخلة و الصويرة و العيون و وجدة … بل و في عين تاوجطات و الرماني و حد الغربية و اثنين الشتوكة و …

يمر الناس من أمام الساطات و السيطان و تختلف التعاليق بين لا مبال و من يقف مشدوها إلى غرائبية اللباس و من يحن إلى سنوات عبد الحليم حافظ بسرواله العالي أو إلى الرولينغ ستونز أو الغيوان … و من يرى في الأمر انحلالا أخلاقيا و يتساءل عن أين آباء الساطات خصوصا و حتى السيطان من هدا التسيب. بل و تجد مناضلين « تحرريين » جدا و يساريين جدا ينعت المنظر بالميوعة لان موسيقى الساطات و السيطان و رقصهم و لوحاتهم و … ليس « ملتزما ». يتساءل صديق عن معنى الموسيقى الملتزمة فيجيبه صديق آخر أنها الملتزمة بقضية ليعيد الأول المصعد قائلا : « و من سيلتزم بقضايا الساطات و السيطان غيرهم؟ ». ويمر كذلك أمام الساطات و السيطان بعض المتاسلمين. و هؤلاء لا يرون في هذا المشهد إلا « انحلالا أخلاقيا و تشبها مقيتا بالغرب الكافر … » و هلم جرا, على الرغم ان من بين الساطات بعض المحتجبات و بين السيطان بعض الملتحين. كل هذا الزخم من المارة و التعاليق و اللهط و … و الساطات و السيطان لا يبالون بل و يفرغون بخشوع إلى ما هم مبدعون فيه و كأنه صلاة للحياة و للفن.

يظن كل من لا يمتلك معرفة بهذه الثقافة الشبابية أن الظاهرة واحدة. انه قد لا يبالي بالفرق بين موسيقى و لباس و هيأة … الروك و بين مظاهر الترانس. قد لا يفهم ان التخطيط على الحائط يختلف بين الطاك و الكرافيتي و قد لا يجد فرقا بين الغناء « النيو جاك » و « الراب ». و بالمقابل, لا يجد هؤلاء الشباب أي حرج في عدم قدرة « العامة » على فهمهم و فهم ميولاتهم. لكنهم يعانون في صمت. همز و لمز, تحقير و احتقار لاختياراتهم الابداعية, قلة و اغلاق دور الشباب في وجههم, حرمان من الساحات العمومية, … و لكنهم « صامدون » و مصممون على التشبث « الراديكالي » بتعبيراتهم الفنية و الثقافية.

و تجد معظم هؤلاء الساطات و السيطان ربما لا يعرفون شيءا عن سياسة « القرب » و « المفهوم الجديد للسلطة » و « طي صفحة الماضي » … الا انهم يعرفون جيدا معاني الحرية التي تغنى بها بوب مارلي و مشاكل شباب الهيب هوب و نقد الحياة ما بعد الحداثة … و لكن اكبر قدح قد سمعته عن الساطات و السيطان هو وصفههم « بشباب غفل ». لست ادري كيف خرج التوصيف عن سياقه الأصلي و كيف وصل إلى هؤلاء الشباب و لكني أتساءل عن من هم « غفل » حقيقة هل الموصوف أم الواصف أم أداة الوصف؟ و على أي, إذا ما اعتبرنا جدلا أن الموصوف كذلك فارجوا من الواصفين أن يدعوا الساطات و السيطان في غفلهم. فغفل أمثالهم في جارتنا الإسبانية ساهم بقوة في صناعة « الموفيدا » التي طالما نحلم بها و ننتظر وقوعها.

Publicités
%d blogueurs aiment cette page :